في الحروب الكبرى لا تكون الكلمات مجرد كلمات، خصوصًا عندما تصدر من رأس السلطة السياسية والعسكرية في دولة تخوض مواجهة مفتوحة مع قوة عظمى. ولهذا فإن الرسالة الأخيرة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي تستحق التوقف أمامها طويلًا، ليس فقط بسبب ما قيل فيها عن مستقبل الوجود الأمريكي في بحر العرب، ولكن بسبب الجغرافيا التي اختارتها طهران لتوجيه رسالتها.
الحديث عن بحر العرب ليس تفصيلًا عابرًا. فمضيق هرمز يمثل البوابة التي تتحكم في واحدة من أهم عقد الطاقة والتجارة في العالم، بينما يمثل بحر العرب الامتداد الطبيعي للمواجهة نحو المحيط الهندي والممرات البحرية التي تتحرك فيها القوات والسفن الأمريكية.
وفي رسالة بمناسبة أسبوع الدفاع المقدس، قال مجتبى خامنئي إن القوات الأمريكية لم تتمكن من التقدم إلى ما بعد بحر العرب بسبب ما وصفه بالضربات التي تلقتها من القوات الإيرانية وحماة مضيق هرمز، وتحدث عن قرب خلو بحر العرب من القوات الأمريكية. كما قدم إيران باعتبارها دولة خرجت من الحروب والضغوط أكثر قوة واستقلالًا، ووصفها بأنها تُعد لدى بعض الأطراف القوة العظمى الرابعة في العالم.
هنا تبدأ القراءة الجيوسياسية الحقيقية.
إيران لا تتحدث فقط عن الدفاع داخل حدودها، وإنما تضع البحر في قلب معادلة الردع. وهذا يعني أن طهران تريد أن تقول إن استمرار الحرب لن يبقى محصورًا في المجال الجوي الإيراني أو المدن والمنشآت العسكرية داخل إيران، وإنما يمكن أن يمتد إلى خطوط الملاحة والقواعد والسفن والمجال البحري الذي تتحرك من خلاله القوة الأمريكية.
وهذا بالضبط ما يجعل مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي.
إنه ورقة جيوسياسية تستطيع إيران من خلالها التأثير في حركة الطاقة والتجارة، وفي الحسابات العسكرية للدول التي تعتمد على أمن الخليج. ومن يقرأ الخريطة جيدًا يدرك أن السيطرة على هرمز أو تهديد الملاحة فيه لا تعني مواجهة إيران والولايات المتحدة فقط، وإنما إدخال أسواق الطاقة والدول الآسيوية والأوروبية والقوى البحرية الكبرى في دائرة الأزمة.
ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط ماذا تستطيع إيران أن تفعل داخل مضيق هرمز، وإنما إلى أين يمكن أن يصل الرد الإيراني إذا استمرت الحرب.
وهنا تظهر قضية المركبة البحرية الأمريكية غير المأهولة التي أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني الاستيلاء عليها في مضيق هرمز، وقالت إنها من طراز ريموس 600 وإنها أصبحت لدى الخبراء الإيرانيين لاستخراج المعلومات منها. لكن الرواية الإيرانية لم تُحسم بصورة مستقلة، إذ رفضت القيادة المركزية الأمريكية الرواية وقالت إنها تحتفظ بالسيطرة على أصولها البحرية غير المأهولة.
وهنا يجب أن نتوقف أمام نقطة شديدة الأهمية.
حتى إذا وضعنا جانبًا الجدل حول تفاصيل الواقعة، فإن مجرد دخول المركبات غير المأهولة والحرب الإلكترونية والاستخبارات البحرية إلى قلب المواجهة يكشف أن الحرب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الطائرات والصواريخ والسفن التقليدية.
هناك حرب أخرى تجري تحت سطح البحر وفوقه وفي المجال الإلكتروني.
المركبات البحرية غير المأهولة أصبحت جزءًا من منظومة الاستطلاع وجمع المعلومات وكشف الألغام ومراقبة الممرات البحرية. وبالتالي فإن السيطرة على مثل هذه المنظومات، إذا ثبتت، لا تكون قيمتها في جسم المركبة ذاته بقدر ما تكمن في البيانات التي قد تحملها وفي معرفة طريقة عملها ومهمتها والبيئة التي كانت تتحرك فيها.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الهندسة العكسية.
فالدول التي تخوض حروبًا طويلة لا تكتفي بدراسة السلاح الذي تحصل عليه، وإنما تحاول فهم التكنولوجيا التي تقف خلفه. الحطام والصواريخ والطائرات المسيرة والمركبات غير المأهولة يمكن أن تتحول في الحروب الحديثة إلى مصادر معلومات تساعد على تطوير أنظمة جديدة أو اكتشاف نقاط الضعف في منظومات الخصم.
لكن الأخطر من ذلك هو انتقال المواجهة من الخليج إلى بحر العرب.
فإذا كانت الرسالة الإيرانية تعني أن القوات الأمريكية لن تكون آمنة في هذه المساحة البحرية، فإن ذلك يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع على المسافة.
القوة الأمريكية تعتمد بصورة كبيرة على قدرتها على الضرب من مسافات بعيدة، وعلى حاملات الطائرات والقواعد الجوية والقواعد البحرية والمنشآت اللوجستية التي تمنحها عمقًا استراتيجيًا.
أما إيران فتسعى إلى تحويل هذا العمق إلى مساحة معرضة للتهديد.
وهذه هي المعادلة الجديدة.
كلما ابتعدت القوة الأمريكية عن الأراضي الإيرانية، لا يعني ذلك بالضرورة أنها أصبحت بعيدة عن الخطر، إذا استطاعت طهران تطوير قدرتها على الوصول إلى خطوط الإمداد والممرات البحرية والمنشآت التي تستخدم في العمليات العسكرية.
وهنا تظهر قاعدة فيرفورد البريطانية في المشهد، وهي قاعدة تستخدمها القوات الأمريكية، وقد أصبحت خلال الأيام الأخيرة محور تحقيق بريطاني بعد اعتقال خمسة أشخاص قربها على خلفية الاشتباه في الإعداد لعمل إرهابي. وحتى الآن لا توجد نتيجة نهائية تثبت صلة إيران بالحادث، كما نفت طهران أي علاقة به، وأكدت السلطات البريطانية أن التحقيقات ما زالت مفتوحة على أكثر من احتمال.
وهذا التفصيل مهم للغاية.
فليس من المهنية تحويل حادث أمني في بريطانيا إلى عملية إيرانية مؤكدة قبل انتهاء التحقيقات. لكن وجود حادث من هذا النوع قرب قاعدة تستخدمها القوات الأمريكية في عملياتها المرتبطة بالحرب على إيران يكشف في الوقت نفسه أن الجغرافيا الآمنة لم تعد كما كانت قبل الحرب.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين.
الأول هو المسؤولية المباشرة عن الحادث، وهذه مسألة تحتاج إلى أدلة وتحقيقات.
والثاني هو دلالة الحادث على اتساع دائرة المخاطر الأمنية المرتبطة بالحرب.
وهذا هو الأخطر.
فالحروب الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى احتلال أراض أو تدمير قواعد بأكملها حتى تحقق أثرًا استراتيجيًا. أحيانًا يكفي أن تجعل الخصم ينفق أموالًا ضخمة لحماية قواعده ومنشآته وممراته البحرية وأنظمته الاستخبارية.
عندها تتحول الحرب إلى استنزاف للجغرافيا والاقتصاد والأمن في وقت واحد.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم.
هل تريد إيران نقل الحرب فعلًا من الخليج إلى المحيط الهندي؟
إذا كان هذا هو الاتجاه، فإن مضيق هرمز لن يكون نهاية المعركة وإنما بدايتها.
فالمواجهة قد تتحرك من الخليج إلى بحر العرب، ومن بحر العرب إلى المحيط الهندي، ومن البحر إلى القواعد التي تنطلق منها العمليات العسكرية. وفي هذه الحالة يصبح الصراع على الجغرافيا أكثر أهمية من عدد الصواريخ والطائرات.
إيران تعرف أن الولايات المتحدة تتفوق عليها في القوة الجوية والبحرية والتكنولوجيا التقليدية، ولذلك فإن معادلة الردع الإيرانية لا تقوم بالضرورة على منافسة الولايات المتحدة بالسلاح نفسه.
إنها تحاول تغيير قواعد اللعبة.
تستخدم الجغرافيا التي تقع بالقرب منها، وتستفيد من طبيعة الخليج والممرات البحرية، وتوظف الصواريخ والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والقدرات غير المأهولة، وتراهن على أن اتساع مساحة الحرب يعني اتساع كلفة استمرارها على الطرف الآخر.
وهنا تصبح رسالة مجتبى خامنئي أكثر من خطاب سياسي.
إنها إشارة إلى أن إيران تريد أن تجعل البحر جزءًا من معادلة الردع، وأنها لا تنظر إلى هرمز باعتباره مجرد مضيق جغرافي، بل باعتباره ورقة سيادة وورقة تفاوض وورقة ضغط في آن واحد.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطره أيضًا.
فكلما انتقلت الحرب من هرمز إلى بحر العرب ثم إلى المحيط الهندي، أصبح احتمال الخطأ في الحسابات أكبر. حادثة واحدة قد تتحول إلى مواجهة أوسع، واستهداف سفينة قد يؤدي إلى ضرب قاعدة، وضرب قاعدة قد يفتح بابًا لهجوم آخر، وهكذا تدخل الأطراف في دائرة تصعيد يصعب التحكم في نهايتها.
وهنا تكمن المفارقة.
إيران تريد أن تجعل استمرار الحرب مكلفًا على الولايات المتحدة، بينما تريد واشنطن أن تحافظ على تفوقها وقدرتها على الحركة في المنطقة.
وبين الهدفين تتحرك الجغرافيا.
من هرمز إلى بحر العرب، ومن بحر العرب إلى المحيط الهندي، ومن القواعد الإقليمية إلى القواعد البعيدة.
لذلك فإن الأيام المقبلة لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال عدد الصواريخ التي ستطلقها إيران أو عدد الغارات التي ستنفذها الولايات المتحدة.
المؤشر الأخطر سيكون في البحر.
هل تتغير حركة القطع البحرية الأمريكية؟
هل تتسع عمليات المراقبة البحرية؟
هل تظهر منظومات غير مأهولة جديدة في مسرح العمليات؟
هل تنتقل الضغوط إلى القواعد التي تستخدمها القوات الأمريكية خارج المنطقة؟
وهل تستطيع طهران بالفعل تحويل تهديداتها السياسية إلى قدرة مستمرة على فرض كلفة استراتيجية على الوجود الأمريكي؟
هذه الأسئلة أهم من الشعارات.
فالحروب لا تُحسم دائمًا بمن يملك السلاح الأقوى، وإنما بمن يستطيع تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية.
والبحر هنا قد يكون هو كلمة السر.
فمن يسيطر على الممرات لا يملك فقط طريق السفن، وإنما يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد والطاقة والإمدادات والحركة العسكرية.
ولهذا فإن مضيق هرمز وبحر العرب والمحيط الهندي ليست ثلاث مساحات منفصلة على الخريطة.
إنها سلسلة جيوسياسية واحدة.
وإذا كانت طهران قد قررت أن تجعل هذه السلسلة جزءًا من استراتيجية الردع، فإن المرحلة المقبلة من الحرب قد تكون مختلفة تمامًا عن المراحل السابقة.
وربما لا تكون قضية المركبة البحرية غير المأهولة، سواء تأكدت كل التفاصيل الإيرانية حولها أو بقي بعضها محل خلاف، إلا اختبارًا مبكرًا لسؤال أكبر بكثير.
من يرى الآخر أولًا في البحر؟
ومن يستطيع أن يحرم خصمه من عينيه؟
ومن يستطيع أن يجعل المسافة الطويلة التي تمنح القوة العسكرية الأمريكية ميزة استراتيجية تتحول إلى عبء عليها؟
هنا تبدأ الحرب الحقيقية على الخريطة.
وهنا أيضًا سيكون بحر العرب واحدًا من أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!